محمد علي الحسن

82

المنار في علوم القرآن

قال أبو سلمة ، ثم حمي الوحي وتتابع « 1 » . هذا الصنيع الذي نهجه الإمام البخاري في سوقه روايات القصة عجيب ، ولعله من أسرار جامعه التي لم يسبر غورها ، فالقصة واحدة تدور رواياتها كلها حول موضوع واحد ، والسائل في الروايات الثلاث الأولى واحد ، وهو يحيى بن أبي كثير ، والمسؤول فيها واحد ، هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، والمجيب فيها واحد ، هو الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضي اللّه عنهما . وفي الرواية الرابعة والخامسة لم يذكر يحيى بن أبي كثير ، وإنما ذكر فيهما ابن شهاب الزهري مخبرا عن أبي سلمة بما حدثه به جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد استعصى على الباحثين تأويل هذه الأحاديث المروية عن جابر ، فمنهم من أبقاها على التعارض ، وجزم بخطإ جابر ، كما ذهب إلى ذلك الإمام النووي الذي جازف فحكم على هذه الأحاديث الثابتة في صحيحي البخاري ومسلم بأنها باطلة ، ومقام النووي في فضله وعلمه بالسنة النبوية ، ودرجات الحديث صحة وضعفا ، وورعه وفقهه في الدين كان يقتضيه التريث والتعمق في تطلب مخارج لهذا الحديث ، وعدم بت الحكم في بطلان هذه الأحاديث ، على أن للحديث مخارج تحميه من مثل هذه الأحكام المتسرعة ، ومن العلماء من حاول الجمع بين حديث عائشة وحديث جابر . ومن المحاولات الضعيفة في الجمع بينهما ما قاله الحافظ جلال الدين السيوطي في الإتقان من أن السؤال كان عن نزول سورة كاملة ، فبين جابر أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة اقرأ « 2 » . وهذا القول يبطله ما ثبت في الصحيحين أن سورة المدثر لم تنزل بتمامها وكمالها بل نزلت متفرقة حتى قوله تعالى : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . أما الكرماني فرد على حديث جابر قائلا : إن جابرا استخرج ذلك باجتهاده وليس من روايته ، فيقدم عليه ما روته عائشة . وهذه أقوال لا تستند إلى دليل ، ونحن إذا

--> ( 1 ) المرجع السابق ح ( 4926 ) . ( 2 ) . 1 / 69 .